الحكيم الترمذي
41
غور الأمور
زي الملائكة مع ذلك الملأ . فأصابها شؤم كفره لتوطئه عليها أيامه في دهره ، مع شركه الذي كان فيه ، والكفر والتكبر ، إذ وصفه اللّه بالكفر ، وهو لباس التوحيد فشهد عليه بالكفر ، وأبطل ما أظهر من دينه بما كان في باطنه وضميره من الحيلة عليه يوم خلقه فقال : وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ « 1 » . فلما جبل آدم من تراب وجه جميع الأرض أسودها وأحمرها ، خبيثها وطيبها ، سهلها وجبلها ؛ امتزج التراب والموطئ والخطى بالأخرى ، فلما جبلها صارت خلقة . آدم على موطأه وخطاه ، وصار الموطئ أخبث وأردى ، وأظهر شؤما من الخطوة ، وسنصفه في موضعه - إن شاء اللّه - فصارت تلك التربة جوهر خلقة النفس نفس آدم ؛ إذ جبله عليها ومنها ، وصارت أس النفس وقاعدتها . فلما فرع منه وضعه تحت العرش فمر عليه إبليس ، وهو في زي الملائكة . فقال لهم : أرأيتم إن أمركم اللّه له بأمرأ فتطيعونه . فقالوا : نعم ؛ قال : فأما أنا فلا أطيعه . وذلك أنه نظر في أصل خلقته ؛ فعرف أنه خلق من التراب فتهاون به . وقال : إن أمرني أن أطيعه فلا أطيعه ، وإن هو لم يطعني استفرغت الجهود في استطاعته ، ونصبته الحرب بيني وبينه . فقالت له الملائكة : ولم تفعل ذلك ؟ قال : لأنه خلق من تراب موضع قدمي ، وموطني ، وخطوى وممشاي ، فلى فيه وجهان : أما أحدهما : فهل يسجد الأب لابنه ، والسيد لعبده ، فإنه منى بمنزلة الابن
--> ( 1 ) سورة البقرة : آية 34 . ونص الآية الكريمة وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ .